منتدى مدرسة بن شادي لتعليم المتوسط

عزيزي الزائر/عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتعريف نفسك إلينا بالدخول الي المنتدي
إذا كنت عضوا او التسجيل إن لم تكن عضو، وترغب في الإنضمام إلى أسرة المنتدي
التسجيل سهل جدا وسريع وفي خطوة واحدة
وتذكر دائما أن باب الإشراف مفتوح لكل من يريد
شكرا إدارة المنتدي

نموذج الفروض و الاختبارات لجميع المواد والمستويات


    الجنرال ديجول واستقلال الجزائر الملغوم (بمناسبة الذكرى الـ 56 لاندلاع ثورة المليون شهيد)

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 67
    السٌّمعَة : 2
    العمر : 23
    الموقع : WwW.Dz-Skills.Skyrock.CoM

    الجنرال ديجول واستقلال الجزائر الملغوم (بمناسبة الذكرى الـ 56 لاندلاع ثورة المليون شهيد)

    مُساهمة  Admin في الخميس نوفمبر 11 2010, 04:02

    الجنرال ديجول واستقلال الجزائر الملغوم
    (بمناسبة الذكرى الـ 56 لاندلاع ثورة المليون شهيد)
    احمد الظرافي

    ((هذا المقال ليس حكما بالفشل على استقلال الجزائر، وإنما هو وجهة نظر شخصية للكاتب، بناء على متابعاته المتواضعة للشأن الجزائري)).
    الثورة الجزائرية التي اندلعت في منتصف عقد الخمسينيات من القرن الماضي، والتي انتهت بالاستقلال عام 1962، كانت امتدادا لعشرات الثورات والانتفاضات الشعبية المتفرقة، عبر سنوات الاحتلال الفرنسي الطويلة المظلمة والبغيضة. فالشعب الجزائري المسلم الأبي، لم يتوقف عن مقاومة الغازي الاستعماري الخبيث، يوما واحدا. ولم يضع السلاح عن أكتافه إلا نادرا. ويكفي للتدليل على ذلك أن نذكر أنه ما بين عام 1832 – وهو التاريخ الرسمي لبداية الاحتلال الفرنسي لهذا البلد العظيم، وحتى العام 1900، تمكن المجاهدون الجزائريون من سحق الجيوش الفرنسية ثلاث مرات، ومن ثم تطهير كل أنحاء أرض الجزائر منهم تطهيرا كاملا وتحريرها من رقهم – فيما عدا الجزائر العاصمة -. وكل ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أنه كان هناك إجماعا لدى الجزائريين من مختلف الفئات والشرائح على رفض الاستعمار ومقاومته وإخراجه بالقوة مثلما احتل الجزائر بالقوة.
    وبالمقابل، فإن فرنسا كانت تبدي، في كل مرة إصرارا منقطع النظير على وجودها في الجزائر، وكانت تتشبث بكل ما يمكنها من البقاء فيها بأظافرها وتعض عليه بأنيابها ونواجذها، ورفضت التخلي عنها، على رغم هزائمها، ونكساتها الكبيرة والمتواصلة، خلال السبعين عاما الأولى من الاحتلال. وكان وجود الجزائر العاصمة على ساحل البحر الأبيض المتوسط في مواجهة السواحل الفرنسية على الضفة الأخرى، يسّهل للفرنسيين التدخل مباشرة عن طريق لبحر لنجدة حاميتهم فيها، وتزويدها بالجنود والسلاح والمؤمن، في الوقت المناسب، كما أن ذلك الموقع قد ساعد أساطيلها على الإغارة على موانئ الجزائر ، عند اللزوم، ومن ثم إنزال جنودها وعددها وعتادها على سواحلها، وبصورة تسمح لها باستئناف جولات القتال في الداخل الجزائري، وفرضها سيطرتها مجددا على الأقاليم نظرا لانعدام السلطة المركزية في الجزائر بعد استسلام الباي لسلطات الغزو في عام 1832.
    وكان إصرار الفرنسيين واستماتتهم من أجل البقاء في الجزائر، ليس فقط لأن الجزائر بلد زراعي من الدرجة الأولى، وبه أراض، زراعية خصبة، يسيل عليها لعاب الفرنسيين، الذين كانوا عالة على إنتاجها من الحبوب، وأيضا ليس فقط من أجل أن تكون سوقا لتصريف منتجاتهم الصناعية. وكذلك ليس فقط من أجل توسيع رقعة الإمبراطورية الفرنسية، بالاستحواذ على هذا البلد البكر ( القارة ). وإنما ذلك كان يرجع في المقام الأول، لأسباب تاريخية ودينية. ففرنسا لم تغفر للجزائر تحالفها الوثيق مع دولة الخلافة العثمانية، خلال القرون الثلاثة السابقة للاحتلال، وما شكله ذلك التحالف من مصدر قوة للإسلام، مكنت المسلمين من احتواء الخطر الأوروبي – الصليبي، ضد الإسلام، والذي انبعث مجددا وبكل قوة وشراسة وعنف مع عصر النهضة الأوروبية في مطلع العصر الحديث، فكان ذلك التحالف من أهم العوامل للتصدي لغارات الأساطيل الصليبية، على سواحل شمال أفريقيا، وتلقينها الهزيمة تلو الهزيمة، وتكبيدها خسائر جسيمة، ومن ضمن تلك الأساطيل، الأساطيل الفرنسية بطبيعة الحال. وفرنسا أيضا لم تغفر للجزائر، تلك الغارات المزلزلة التي قامت بها الأساطيل الإسلامية على الموانئ الفرنسية في تلك الفترة ذاتها، تحت قيادة القائدين البحريين الكبيرين، بربروسا وعروج باشا، واللذين كانا اسماهما يبثان الرعب في قلوب الأوروبيين، وما كانت تمثله تلك الغارات البحرية - التي كانت تنطلق من سواحل الجزائر - من تهديد استراتيجي جدي على فرنسا، بل وعلى سائر أوروبا. وفرنسا كذلك لم تنس للجزائر ، حين كانت هذه الأخيرة جزءا لا يتجزأ من دولة الخلافة العثمانية، بسط سيطرتها على البحر المتوسط. وكيف أن مرور الأساطيل التجارية الفرنسية في عرض هذا البحر لم يكن يحدث إلا بإذن من السلطات الجزائرية، وبعد دفع الإتاوة المقررة. وإلى جانب ذلك كان الفرنسيون الذين يزايدون بكونهم وراثة حضارة الإمبراطورية الرومانية، سيدة العالم في العصور القديمة، والمعروفون أيضا بغرورهم وأنفتهم وشعورهم القومي الحاد – كانوا يشعرون بالعار كون الحاجة اضطرتهم للاستدانة من الجزائر في عهد الباي، سواء من العملات الذهبية أو من الحبوب - وبصفة خاصة خلال المجاعة التى اجتاحت فرنسا بعد ثورة 1789م. فالجزائر بلد إسلامي عربي، وكانوا يرونه أقل رقيا وحضارة منهم، ومن ثم كانوا يأنفون من كونهم يمدون أيديهم إليه، وكانوا يشعرون لفرط استعلائهم ولنزعتي الأنانية والجشع في نفوسهم أنهم أولى من الباي ومن الجزائريين، بالموارد الاقتصادية التي تزخر بها الجزائر، لاسيما بعد تفجر الخلافات حول الديون التي لم يكن لدى الفرنسيين رغبة فى سدادها*. وهذه كانت هي العوامل الأساسية لطرح فرنسا موضوع أيالة الجزائر، في مؤتمر فينا عام 1814/1815 ، فاتفق المؤتمرون الأوروبيون على تحطيم هذه الدولة فى مؤتمر " إكس لا شابيل " عام 1819 وتخويل فرنسا باحتلال البلد، وكانت تلك العوامل نفسها هي التي وقفت وراء إصرار فرنسا المستميت على البقاء في الجزائر، وعلى عدم الاعتراف بالفشل في السيطرة عليها، وعلى تكرار غزوها مرة بعد مرة، وعدم اليأس من إمكانية سحق مقاومة شعبها، وكسر إرادته، مهما كلف ذلك من ثمن. ومن ثم عدم اليأس من اقتطاعها من جسد الإسلام، وفرض الاحتلال العسكري المباشر عليها، وبصورة نهائية، وليس فقط بما يحول دون عودة الجزائر لتهديد فرنسا في المستقبل، كما فعلت في الماضي، وإنما بما يسمح أيضا بإدخالها في حظيرة ممتلكاتها وتحويلها إلى مزرعة فرنسية، وإلى بقرة حلوب تدر باللبن لأفواه الفرنسيين.
    وهكذا ونتيجة لذلك الإصرار المستميت من قبل الطرفين، الفرنسيون لبسط سيطرتهم العسكرية والسياسية على الجزائر، والجزائريون لرفضهم لهذه السيطرة وللحيلولة دونها، استمرت عمليات الكر والفر على مدى حوالي سبعين عاما وتبادل فيها الطرفان النكسات والهزائم. إلا أن الشعب الجزائري كان الأكثر غرما والأكثر تضررا، كونه كان يجابه الجيش النظامي الفرنسي الحديث وآلته العسكرية الفرنسية المتطورة، كشعب، وبأسلحة قديمة وبدائية، وكون رحى المعارك كانت تدور في دياره. وما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا.
    ومن الإنصاف القول أن بعض الطرق الصوفية كان لها في بداية الأمر دور إيجابي في التصدي للاستعمار الفرنسي، وفي نشر الثقافة العربية الإسلامية، إلا أنها بعد ذلك انحرفت عن الخط العام الذي رسمه مؤسسوها الأوائل، فكانت بعضها عاملا لنشر الضلال والخرافات والفكر المنحرف وتخدير الأتباع والمريدين، وبث التخاذل في صفوفهم، ودعوتهم إلى القبول بالأمر الواقع وهو الحياة تحت نير الاستعمار. وشكلت بعضها واجهات لاختراقات السلطات الفرنسية، لكي تنفذ من خلالها بعض سياساتها الاستعمارية، والتي اتخذت أربعة محاور وهي (محور الفرنسة، ومحور التنصير، ومحور التفقير، ومحور الاندماج والتجنيس). وكانت هذه الطرق الصوفية بذلك وبالا على الإسلام وعلى الشعب الجزائري، فكانت (( سببًا في إطالة ليل الاستعمار المظلم في البلاد من جهة، وتفرق صفوف الأمة وضلالها في الدين والدنيا من جهة أخرى)). إلا أن الهبّة الإصلاحية في الثلاثينيات من القرن الماضي، من قبل جمعية العلماء بزعامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، قد ترتب عليها، عودة الأمور إلى مسارها الصحيح إلى حدٍ ما. وكانت من العوامل المهمة التي مهدت للثورة الجزائرية الأخيرة التي أعلن عن ولادتها بصورة رسمية في الأول من نوفمبر 1954.
    وقد تحولت هذه الثورة المسلحة، والتي لم تكن أعداد الذين أشعلوا شرارتها الأولى، تتجاز ألف وبضع مئات من الرجال، إلى ثورة شاملة شاركت فيها كل شرائح الشعب الجزائري المسلم، واستمرت قرابة ثماني سنوات متصلة وعاصفة. بل وتحولت إلى حلم ونموذج لكل ثورات التحرر في العالم الثالث، فقد كانت من العنفوان والشراسة والقوة، إلى درجة أنها مرغت سمعة وكرامة الجيش الفرنسي، في الوحل، وأحالت حياة أفراده، وحياة المستوطنين الفرنسيين في الجزائر، إلى جحيم لا يطاق. بل وأقضت مضاجع السياسيين والقادة الفرنسيين في العاصمة باريس نفسها، وهزت بقوة أركان الجمهورية الفرنسية الرابعة. وضعضعت نفوذ فرنسا في عدد من مستعمراتها.
    وتلك المقاومة الباسلة التي اشتهر بها الثوار الجزائريون والتي لم يعرف التاريخ لها مثيلا من قبل، لم تحل دونها الخسائر الجسيمة في صفوف الثوار، وعمليات الردع الوحشية التي كانت تقوم بها قوات الاستعمار الفرنسي ضد المدنيين العزل، المشتبه في احتضانهم للثورة، وما أرتبط بذلك من سياسة الأرض المحروقة التي كانت تمارسها تلك القوات على نطاق واسع. خاصة بعد هزيمة الجيش الفرنسي في السويس، إبّان العدوان الثلاثي ( الفرنسي – البريطاني – الصهيوني ) على مصر في عام 1956. وقد تواصل الانهيار في صفوف الجيش الفرنسي، نتيجة لضربات الثوار الموجعة والصاعقة، إلى أن قام الجيش الفرنسي في الجزائر بعملية انقلابية أودت بالجمهورية الرابعة وجاءت بجمهورية ديجول الخامسة.
    وعندما صعد هذا الأخير ( ديجول ) إلى سدة الحكم في باريس عام 1958، كان على رأس قائمة أهدافه القضاء على ثورة الشعب الجزائري المسلم، فأعطى لجيشه مهلة سنتين لتصفية الثورة بمختلف الوسائل، وضرب سورا حديديا حول حدود الجزائر، لمنع تدفق السلاح إلى أيدي الثوار، وضيق الخناق على الشعب الجزائري، وصادر حرياته أكثر فأكثر، وكأن جرائم وممارسات فرنسا الوحشية والفظيعة ضد هذا الشعب المسلم الأبي الكريم، على مدى العقود السابقة، غير كافية. وهي فترة تتجاوز الـ 130 عاما، حاولت السلطات الاستعمارية الفرنسية، خلالها جاهدة تدمير البنية الاجتماعية والحضارية للشعب الجزائري، ومسخ شخصيته الإسلامية، وطمس لغته العربية، التي تم حظرها واعتبارها لغة دخيلة على الجزائر بموجب قانون فرنسي رسمي، ونزع ملكية أراضيه الزراعية وإعطائها للأوروبيين الدخلاء، الذين قامت بغرس أعداد كبيرة منهم في الجزائر، والذين تكونت منهم طبقة من المستوطنين لا يدينون بالولاء إلا لفرنسا، ولا يدافعون إلا عن مكاسبهم، وتأمين مستقبلهم فوق هذه الأرض. وتم تحويل الشعب الجزائري إلى أيدٍ عاملة رخيصة في خدمة مصالح الاستعمار، وإلى خامة " مفيدة " للاستخدام داخل فرنسا في العمل الشاق والعنيف كالجيش، وتم إقحام الشباب الجزائري في شتى حروب فرنسا القذرة، وكان الجيش الفرنسي الذي تصدى لتحرير باريس من الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية مكونا في غالبيته من الجزائريين. وهذا وفقا لما ذكره الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلا في شهادته على العصر من على شاشة قناة الجزيرة الفضائية القطرية، باعتباره أحد أفراد ذلك الجيش. وفي الوقت ذاته تم محاربة الجزائريين الشرفاء الذين قاوموا سياسات الفرنسة والتنصير، والتفقير، ورفضوا التجنيس والاندماج، في أرزاقهم ودفعهم إلى الهجرة. وكل ذلك بجانب النظرة الاستعلائية والمضايقات العنصرية . ((وقد مثل أصحاب (الأقدام السوداء) ـ وهو الاسم الذي أطلق علىالمستوطنين الأوروبيين في الجزائرـ فئة متعصبة مثيرة للشغب, تحتقر المسلمين وتضطهدهم, وكانوا همالذين عارضوا جلاء فرنسا عنالجزائربعد انتصارالثورة, وكونوا منظمة سرية قامت بالعديد من الأعمال التخريبية.((وغير ذلك من الممارسات البغيضة والمنظمة التي أرتكبها الاستعمـار الفرنسي ضد الشعب الجزائري المسلم.
    وبناء على ذلك فقد بدأت في عهد هذا المجرم العنصري، أقصد الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديجول – بدأت مرحلة جديدة من المجازر المروعة والمرعبة والأعمال الوحشية والهمجية، والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، والتي لم تعرف لها الجزائر مثيلا من قبل، بحيث يمكن القول إن أكبر الخسائر البشرية في صفوف الجزائريين حدثت في عهد المجرم ديغـول، الذي يصفه بعض المغفلين والسخفاء من مثقفي العرب بوصف ( صديق العرب). وهو في الحقيقة كان صديقا لليهود، وعدوا لدودا للعرب والمسلمين. وهو الذي وصف العرب بـ " الكراكيب" أي الأشياء المهملة والنفايات القديمة عديمة القيمة. وكان يقف من الإسلام، موقف العداء والحقد والرفض، ولم يكن في ذلك يختلف عن موقف أسلافه من الصليبيين الحاقدين الغلاة من شارل مارتل إلى شارلمان إلى أمراء الحروب الصليبية، إلى زعماء فرنسا الاستعمارية.
    لكن مع كل ذلك، فإن إرادة الجزائريين كانت أقوى من أن تذعن أو تستسلم، وكانت شدة فرنسا في القمع تجابه بشدة وضراوة في المقاومة. وهذه هي طبيعة الجزائريين، وتاريخ الجزائر في مقاومة الاستعمار الفرنسي وإيمانهم بقضيتهم التي يجاهدون من أجلها يذكّر بإيمان سلفنا الصالح، وعزائمهم التي لا تقهر. وهكذا لم تؤد هذه السياسة الديجولية الرعناء التي تقوم على الغطرسة بالقوة، إلا إلى أتساع مدى الثورة التي قادتها جبهة التحرير، وتحولها إلى ثورة شعبية عارمة. وفي غضون ذلك تعالت الصيحات التي تدعو الجزائريين، إلى الإضراب عن العمل في المزارع والمصانع وسائر القطاعات الاقتصادية والخدمية التابعة للمحتل والمستوطنين. وكان الاتحاد الوطني للطلبة في الجزائر في قد أصدر في 19 مايو 1956، بيانا دعى فيه الطلاب الجزائريين، إلى ترك مقاعد الدراسة في الجامعات والانضمام إلى صفوف الثوار، على أساس أن التحرر من ربقة المحتل له أولوية، على التعليم تحت حرابه. وجاء في ذلك البيان (( إن التعليم للحصول على شهادة زائدة قد يجعل منا جثة حقيقية. ولأي شيء تصلح إذن الشهادات العلمية التي تمنح لنا، في وقت يجاهد فيه شعبنا جهادا بطوليا، في وقت انتهكت فيه حرمات أمهاتنا وزوجاتنا وإخوتنا. في وقت يسقط فيه أطفلنا وشيوخنا تحت رصاص الرشاشات وقنابل النابالم. ونحن أجهزة – كادرات – المستقبل. ولكن ماذا يحيط بأجهزتنا؟ ومن يحيطهم؟ الخراب وأشلاء الجثث؟ من دون شك جثث قسنطينة وتبسة وسكيكدة وتلمسان وغيرها من الجهات والمدن. إن هذه الوضعية التي نحن عليها لا ترضي ضمائرنا. وإن واجبنا ينادينا لأداء مهام عاجلة. إن واجبنا ينادينا للتضحية المتواصلة إلى جانب الذين يكافحون ويستشهدون أحرارا مجابهين العدو. إننا نقرر الإضراب التام وبصفة عاجلة، ونقرر مقاطعة الدروس والامتحانات إلى أمد غير معين. ويجب مبارحة مقاعد الجامعة للالتحاق بصفوف جيش التحرير . يجب الالتحاق بجيش التحرير الوطني الجزائري وبجبهة التحرير الوطني الجزائري )). (( ونفذ الطلاب الجزائريون المسلمون إضرابهم، والتحقوا بقواعد الثورة في الجبال والمدن، وكانوا هم الدم الجديد والذي نبض بقوة في شرايين الثورة فأعطاها القدرة على التطور والاستمرار )). وفي الوقت نفسه شددت قيادة الثورة من مقاطعة المحتل، وكل ما يرتبط به أو يمت له بصلة، فكان مجرد جلوس أحد المجاهدين في مقهى، يعتبر خيانة عظمى وجريمة لا تغتفر. وظلت وتيرة الثورة في تصاعد برغم كل الجراح والمآسي، والمجازر الرهيبة حتى اقتنع الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديجول، رغم أنفه بأن عجلة التاريخ، لا يمكن وقفها، أو إرجاعها إلى الوراء، وبالتالي لا يمكن الحيلولة دون استقلال الجزائر. وقد ساهم في ذلك دخول دول جديدة على مسرح السياسة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، باتت لها كلمتها في الشئون الدولية أهمها الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية. فمن المعروف أن الاتحاد السوفيتي تصدى للوجود الاستعماري القديم وعمل على تشجيع الشعوب على التخلص من الوجود الأوروبي. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية عملت على تصفية الوجود الاستعماري الفرنسي والبريطاني في الشرق، تمهيدا للحلول محلهما، وفقا للأسلوب الاستعماري الجديد الذي طورته، وهو الاستعمار الاقتصادي، والسياسي.
    (( وقد ناصر جمال عبد الناصر الثورة الجزائرية وكان يمدها بالأسلحة عبر الحدود التونسية, كما منح كل التسهيلات والإمكانات لرجال جبهة التحرير الوطني الذين أقاموا في القاهرة ومنها انطلقوا للتعريف بالثورة الجزائرية في العالم العربي والعالم الثالث )) .
    وكانت (( المساعدة الأولى للثورة الجزائرية بل للشعب الجزائري من العالم العربي, فالأخوة المصريون هم الأوائل في المساندة السياسية وتدبير الأسلحة من الدول العربية, وأول مساعدة مالية لشراء الأسلحة كانت من المملكة العربية السعودية ))، وكانت عبارة عن مبلغ 100 مليون دولار. تبرع بها الأمير فيصل بن عبد العزيز – رحمه الله – الذي كان في ذلك الوقت لازال وليا للعهد. وكان هذا المبلغ في حقيقة الأمر لدعم الثورات المشتعلة في البلدان المغاربية الثلاث ( الجزائر وتونس والمغرب ) إلا أن الثوار المغاربة والتونسيين، أثروا بها إخوانهم الجزائريين ولم يأخذوا منها شيئا. كما كانت هناك مساعدات جمّة من نظم وشعوب العالم العربي، كالعراق وسوريا وتونس والمغرب وليبيا ولبنان وغيرها, كما لعب العالم الإسلامي دورا كبيرا في مساعدة الثورة الجزائرية في المحافل الدولية.
    ((وتؤكد الوثائق, وشهادات مفجريّ الثورة الجزائرية ومنهم محمد بوضياف أنّ العالم العربي والإسلامي ساند الثورة الجزائرية منذ تفجير الثورة والى الاستقلال . وكان العالم العربي والإسلامي يرى في الثورة الجزائرية ضد فرنسا والحلف الأطلسي ملحمة ومفخرة للعرب والمسلمين, وقد صارت الثورة الجزائرية قدوة لحركات التحرر في وقت لاحق..)).
    وهكذا، ونتيجة لاشتداد ضربات الثوار الجزائريين، وتفاقم الخسائر الفرنسية، وتدهور سمعة فرنسا عربيا وإسلاميا ودوليا، والتطور في الموقف الدولي، أدرك شارل ديجول، كما يقول في مذكراته, أن عدم التسليم للجزائر بحقها في الاستقلال عن فرنسا ((يؤدي إلى إبقاء فرنسا تغوص سياسياً ومالياً وعسكرياً في مستنقع لا قاع له ))…(( فلم يكن أمامي من مخرج سوى منح الجزائر حق تقرير مصيرها بنفسها )).
    لكن أي استقلال كان يفكر الجنرال شارل ديجول أن يعطيه للجزائر؟! هل هو الاستقلال الكامل؟! وأي انسحاب كان يفكر فيه من الجزائر هل هو الانسحاب الكلي وترك الجزائر لأهلها؟!
    إن الإجابة على هذه الأسئلة يقدمها لنا كتاب عنوانه " النار والرماد" مؤلفه المؤرخ الفرنسي ريمون تورنو R. TOURNOUX - وهو بالإضافة إلى ذلك يقدم لنا أفكارا ديجولية تدل على عنصريته ضد بالعرب.
    يقول المؤلف: كان ديجول يتحدث إلى واحد من خلصائه إبّان الثورة الجزائرية اسمه ليون دلبك, فقال له: (( دلبك. أنت تعرف جيدا أنني لو استطعت, أو لو كنا نستطيع, لصنعت الجزائر الفرنسية. ولكن الموضوع تم تجاوزه الآن. يجب علينا العثور على صيغة تسمح لنا بالاحتفاظ بالجزائر في منظومة جماعية, ويجب علينا ألا نخاف من ترديد هذه الكلمات: يجب أن تكون الجزائر مستقلة. ومن ثم يا دلبك, هل ترانا نمتزج بالمسلمين إنهم أناس يختلفون عنا. وهل ترانا نزوج بناتنا إلى العرب ?)) (النار والرماد ص 248).
    ((..أو كما قال ( شارل ديجول ) في مذكراته.(( وكنت أعتزم أن أحذو حذو فرنسا القديمة التي, بعد أن أصبحت بلاد الغال, ظلت محتفظة بالطابع الروماني, بحيث ستبقى الجزائر فرنسية من عدة أوجه )).
    وهاتين الفقرتين في غاية الأهمية، والفقرة الأولى تدل بكل وضوح على أن صناعة (الجزائر الفرنسية) - بقدر ما كانت حلما فرنسيا عاما - كانت حلما شخصيا يراود الجنرال شارل ديجول، المعجب فيما يبدو بسميه وسلفه رئيس البلاط والقائد الهمجي الجرماني شارل مارتل، الذي هزم المسلمين في معركة بلاط الشهداء جنوب باريس، سنة 114هـ. ولذلك فهو لم يفكر في منح الاستقلال للجزائر، إلا بعد أن قهره الثوار الجزائريون، ولطخوا سمعته وسمعة جيشه بالوحل، وبعد أن حالت الظروف الشديدة الداخلية والخارجية عن تحقيق حلمه. ولكن برغم ذلك، فقد لجأ ديجول إلى أسلوب الدهاء والمكر والحيلة والاحتيال في التعامل مع استقلال الجزائر، لكي لا يكون استقلالا كاملا ، بحيث يمكن للجزائر بعده أن تعود لحظيرة الإسلام، كما كانت سابقا، وعلى مدى أثنى عشر قرنا، وإنما أن يكون ذلك الاستقلال بصورة تسمح لفرنسا (( بالاحتفاظ بالجزائر في منظومة جماعية)). وأن تظل الجزائر محتفظة بالطابع الفرنسي, بحيث تبقى فرنسية من عدة أوجه. مثلما ظلت فرنسا الغالية محتفظة بالطابع الروماني.
    والذي لاشك فيه هو أن مجرد الحديث عن استقلال الجزائر كان يسبب حسرة في قلوب الفرنسيين، ويتحول إلى غصة في حلوقهم، خاصة وعامة، وعسكر وسياسيين. كيف لا وهم الذين عملوا طيلة 130سنة على تفتيت الأسرة الجزائرية وتدميرها من الداخل، وعلى إنشاء جيل ( لا يعرف إلا فرنسا أما له ووطنا )، وسعوا بكل خبث على أن تكون الجزائر قطعة من فرنسا، ولكن من دون أهلها الشرفاء.
    وهكذا ورغم أن "منح " الاستقلال للجزائر من قبل الفرنسيين، كان الهدف منه في المقام الأول، هو إنقاذ فرنسا الأم، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وانتشال جيشها الغارق في المستنقع الجزائري، إلا أن الجنرال الفرنسي الداهية, والخبيث والماكر، وهو يستعد "لمََنْح" الجزائر استقلالها, كان يعمل على كيفية إبقاء الجزائر في حظيرة فرنسا، بصورة غير مباشرة، وعلى المحافظة على الجزائر فرنسية الطابع، بعيدا عن الإسلام والعروبة، أي بمعنى أوضح، العمل على تجريد الثورة من كل معنى إسلامي، وتفريغ الاستقلال من مضمونه الحقيقي، والعمل على ألا يتحول إلى واقع. أي بعبارة أخرى استمرار الحرب على الجزائر، ولكن من وراء الكواليس، ومن خلال الغزو الفكري، وعبر تدعيم الأتباع والأذناب في الداخل، ودسهم في المرافق والمراكز الحساسة للدولة الجزائرية الوليدة، وكل ما من شأنه إعادة الجزائر إلى أحضان فرنسا من جديد. بصورة تلقائية. وهذا ما أفصح عنه الجنرال ديجول عندما كان بصدد إقناع ممثلي الشعب الفرنسي على الموافقة على منح الاستقلال للجزائر، في تصريح خطير له، مفاده أن الجزائر ستعود إلى فرنسا بعد ثلاثين سنة.
    (( وإن كان هذا التصريح – كما قال أحد الكتاب وإن كان قد بالغ في نهاية كلامه - لم يلقَ الشرح اللائق به من قبل جهابذة قراء ما وراء التصريحات الكبيرة، ومن الرجالات الكبيرة،بيد أن تفسيره جاء يطابق تسارع الأحداث في الجزائر، وتركيبة النظام الجزائري الذي لم يترك للشعب الجزائري الفرصة السانحة بأن ينعم ولو قليلا بهذا الاستقلال. فكان ذلك التصريح بمثابة إشارة قوية بأن فرنسا لا تأسف أبدا على خروجها من الجزائر، وهذا كان بكل تأكيد موجه للفرنسيين الذين عاتبوا الجنرال ديغول على تفريطه في الجزائر بتلك السهولة، كما أن التصريح في نفس الوقت تطمينا للقيادة الفرنسية على أن الجزائر وفق المعطيات التي يملكها، ووفق المسار العام الذي شاهده عن السياسيين لن تذهب بعيدا،وستعود إلى نفس المحطة التي انطلقت منها بل ستعتذر عما فعلته بنفسها بأنها طلبت الاستقلال على عجل)).
    وهكذا بدأت فرنسا – شارل ديجول، ترسم الخطط لإستراتيجية البقاء في الجزائر. فعملت على امتصاص الحماس الثوري، من خلال المفاوضات المضنية، مع قادة جبهة التحرير. وعملت فرنسا بكل جهد وبمختلف الوسائل على أن يكون الإسلام، وكل ما يمت له بصلة، بعيدا عن هذه المفاوضات، ورفضت، وبكل تعنت، إدراج (بسم الله الرحمن الرحيم) في مقدمة أي اتفاقات أو وثائق بينها وبين الجبهة.
    ولأن قادة جبهة التحرير، وزعماء الثورة وأهل الحل والعقد فيها، كان أكثرهم من اليساريين والعلمانيين فرنسيي النشأة والثقافة، بل ولأن حزب الشعب الجزائري اليساري كان هو النواةً الأولى للثورة الجزائرية التي هزت العالم. فقد كان الإسلام هو أول شيء يتم حذفه من البيان الأول للثورة، وذلك بعد أقل من عامين فقط من الإعلان عنها. ولاشك أن هذا كان خطأ استراتيجيا فادحا، تم المجازفة بارتكابه، بحكم سيطرة اليساريين والعلمانيين على قيادة الثورة، وذلك طمعا في كسب تعاطف المجتمع الدولي مع الثورة، وحرصا على اعترافه بها، ومن ثم التمهيد للدخول في مفاوضات مع الفرنسيين.
    يقول الدكتور محيي الدين عميمور مستشار الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، في مقال له بمجلة العربي الكويتية: (( كان عهد الثوار في أول نوفمبر 1954 هو إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية. وكانت هذه هي أهم نقاط البيان الذي أعلن ميلاد أول ثورة شعبية تحريرية شاملة. وبعد ذلك بأقل من عامين حدث ما حدث في مؤتمر الصومام, وحذفت الجملة الأخيرة)). وهي أهم جملة في البيان. وفي نفس هذا العام أيضا – 1956 – أجبرت جمعية العلماء على حل نفسها ومن ثم الاندماج في التيار الثوري الذي تقوده جبهة التحرير الوطني.
    وعلاوة على ذلك فقد استغلت فرنسا المفاوضات بينها وبين جبهة التحرير، لكسب الوقت، استغلتها لمعرفة نقاط الضعف في صفوف الثوار، تمهيدا لاختراق قيادة الثورة أو تطعيمها بعناصر جزائرية يحملون فكرها، ومرتبطين بها لغويا وثقافيا، أو بعناصر يسهل تطويعها ويكون لديها قابلية للتبعية وللتفريط في الأسس والمبادئ. ومن ثم يمكن الحصول من خلال التفاوض معها – أو بمساعدتها - على تنازلات تضمن الإبقاء على الوجود الفرنسي في الجزائر بطريقة أو أخرى.
    وفي نفس الوقت عمل الفرنسيون على التوسع في أعداد الموظفين الجزائريين المتفرنسين الذين ستترك بين أيديهم مقاليد البلاد في المستقبل. كما عملوا على إطلاق بعض البرامج الاقتصادية لتكون نواة لمستفيدين منسجمين مع طروحاتها المستقبلية, ولخلق توجهات موالية لها وخادمة لمستقبلها السياسي في الجزائر، إضافة إلى الأسلوب الجديد والخطير من الغزو الذي تجيده فرنسا، وهو الغزو الفكري، فبسطت سجادة التبعية الثقافية، ونشرت مراكزها الثقافية عبر البلاد. وكثف الاستعمار الفرنسي من جهوده بشكل خاص في التغلغل داخل الوجدان الثقافي للقبائل البربرية، مستغلاً في ذلك الحزازات البربرية تجاه القومية العربية، أو هو نبش في هذه الحساسيات مصوراً إياها على أنها كانت (( محور جهاد الأقلية البربرية في مواجهة المستعمر العربي المسلم الذي فرض لغته وديانته بين أبناء القبائل المستضعفين، وذلك على حساب خصوصيتهم البربرية ولغتهم الأمازيغية ))، الأمر الذي تجسد بوضوح في المزاج الفكري والنفسي للبربر، وساهم في تشكيل ما يعرف بالقضية البربرية، وذلك منذ اليوم الأول لحصول الجزائر على استقلالها. ولكن أغرب ما في هذه القضية البربرية – كما قال أحد الكتاب - أن المستعمر الفرنسي نجح في خلق حالة الرفض القبائلي ضد كل ما هو عربي أو إسلامي ليس لصالح البربرية أو الأمازيغية وإنما لصالح الفرنكوفونية؛ ولذا أصبح أبناء القبائل هم عماد ما يطلق عليه في الجزائر اسم "حزب فرنسا"، الذي بات يعبّر عن تيار اجتماعي وثقافي وسياسي مضاد للتيار الجزائري العام، وذي ولاء يتحدد في كثير من الأحيان بما يجري على الضفة الأخرى من البحر (فرنسا).
    وتجدر الإشارة، ولكي لا نظلم البربر، إلى أن ما يسمى بـ "حزب فرنسا " لا يمثل البربر كلل، إنما يمثل شريحة من البربر، وهي التي تأثرت بالغزو الفكري الفرنسي، ونشأت وهي لا تعرف إلا فرنسا أما ووطنا لها، وباتت مرتبطة بها وجدانيا وروحيا، حتى بعد الاستقلال. كما أن هذا التيار المتفرنس موجود كذلك في صفوف العرب، وخاصة العسكريين منهم. وأما دور البربر في الثورة الجزائرية فلم يكن يقل عن دور العرب. ولا مزايدة في ذلك ولا انتقاص. ويمكن القول بشكل عام أنه كان هناك تلاحم بين العرب والبربر في مواجهة الاستعمار الفرنسي، والذي لم يستطع أن يوقف عملية الانصهار في بوتقة الإسلام بين الشعبين، والمستمرة منذ مئات السنين. وأبرز مظاهره في الوقت الحاضر، ذلك التداخل الكبير بين القوميتين. فكثير ممن يدافع عن عروبة الجزائر اليوم، هم من المثقفين والمفكرين البربر. في حين أن كثيرا ممن يحاربون الإسلام اليوم هم من العرب، ويكفي البربر فخرا أن الزعيم الإصلاحي السلفي الكبير والأب الروحي للثورة الجزائرية، الشيخ عبد الحميد بن باديس – وللرجل مكانته العظمى لدى العرب - ينتمي إليهم. وهو ينتمي تحديدا إلى قبيلة صنهاجة القبيلة البربرية المشهورة في التاريخ. ونشيده المعروف، لا يزال يتردد:
    شعب الجـزائر مسلـم ** وإلى العـروبة ينتسب
    من قال حاد عن أصله ** أو قـال مات فقد كـذب
    وإن كان هناك في صفوف البربر من يصعد لهجة العداء ضد العروبة، فأكيد أن هؤلاء منسلخين عن البربر، وليسوا من البربر الأوفياء الشرفاء، لأن البربر مسلمون، واللغة العربية لغة القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي لغتهم الثانية – إن لم تكن الأولى. وعليه فإن المسألة الفعلية، في الجزائر، هي مسألة حرب على الإسلام، كدين وكعقيدة وكمنهج للحياة، وليست مسألة صراع قومي بين العرب والبربر، كما يحاول الإعلام – الذي هو بمجمله تابع للغرب – أن يصورها. وبناء على ذلك فإن الحرب على اللغة العربية ليس لكونها لغة قومية، وإنما لكونها لغة القرآن الكريم، ولغة نبي الإسلام العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام.

    والمهم أنه ((بهذه السياسة الديغولية تمكن الجيش الفرنسي، في مرحلة 1958– 1961، من تفريغ الثورة من أكفأ وأنظف وأنقى وأشجع قادتها الذين كان لهم تصور كامل عن مشروع المجتمع الجزائري لمرحلة ما بعد استعادة السيادة الوطنية، كما تمكن من بناء شبكة من العملاء الذين تسلل بعضهم إلى صفوف الثورة خلال سنواتها الأخيرة بينما رقي آخرون، في إطار ما عرف بمجموعة لاكوست أو بالقوة الثالثة، في الإدارة ليحلوا محل الفرنسيين غداة 5 جويلية 1962. بهذه الكيفية أنشأت فرنسا طابورها ( الخامس ) بالجزائر ))، فكان ما يسمى بجيل " لاكوست " المكون من بضعة آلاف من الأذناب، الذين ربطوا أنفسهم بعجلة الاستعمار، تولوا أمور تسيير البلاد، بعد "هروب " النخبة الأوروبية الاستيطانية، غداة الإعلان عن الاستقلال. وقد تركز وجودهم في البداية على المواقع الدنيا والثانوية, البعيدة عن الأضواء. ولم يفكر أحد يومذاك في محاسبتهم، أو على الأقل ينتبه لأبعاد هذه اللعبة، وكذلك لم يسأل أحد عن أولئك الذين صوتوا بعدم الاستقلال عن فرنسا.
    وليس ذلك فحسب فقد اختارت السلطات الفرنسية الاستعمارية أرض الجزائر لتكون مكانا لفضلاتها النووية، فنفذت أكبر وأخطر تجربة نووية، في رقان – الصحراء الجزائرية - في أقصى الجنوب الغربي للجزائر (على بعد 1800 كلم من العاصمة) قرب الحدود مع موريتانيا، في 13 فبراير (شباط) 1960. وقالت - فرنسا - للعالم حينها إن المنطقة خالية من السكان. لكن العلماء دحضوا لاحقا هذه النظرية وأكدوا أن الحياة كانت موجودة في رقان قبل تأسيس الإمبراطورية الفرنسية الأولى.
    وقد انتهت المفاوضات الشاقة والمضنية بين فرنسا الديجولية، ووفود جبهة التحرير، التي كان أغلب قادتها الكبار آنذاك في أقبية السجون الفرنسية، وفي عزلة عن العالم – انتهت بتوقيع اتفاقية " ايفيان " سنة 1962 التي تضمنت إقرار وقف إطلاق النار، وإقرار مرحلة انتقالية، وإجراء استفتاء تقرير المصير. كما تضمنت هذه الاتفاقيات جملة من اتفاقيات التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية سارية المفعول لمدة 20 سنة. وهذا ما دفع بعض السياسيين الجزائريين إلى القول بأنّ الاستقلال الجزائري كان ناقصا وأن إتفاقيّات إيفيان التي أفضت إلى استقلال الجزائر كانت ملغومة، وأعطت حيزا لفرنسا تمكنت من خلاله التسلل إلى مواقع السيادة الجزائرية. ويشير البعض إلى وجود فقرات بكاملها ضمن الاتفاقية ما تزال سرية. ولاشك أن القبول بكل هذا فيها إضعاف لمفعولية الثورة.
    ((ويجب أن نتذكر هنا – كما يقول الدكتور محيي الدين عميمور في مقال له - أن الجزائر دخلت إلى مرحلة الاستقلال باقتصاد مربوط بمنطقة الفرنك, وبمؤسسات تابعة للمستعمر السابق, من بينها دار الإذاعة والتلفزة وكل البنوك وشركات التأمين والمؤسسات التجارية, بالإضافة إلى كل المناجم والمحاجر وآبار النفط, ومن دون أن ننسى وجود عدد من القواعد العسكرية الفرنسية عبر التراب الوطني كله, ومن دون أن ننسى أيضاً أن كل الوثائق الإدارية المتوافرة كانت باللغة الفرنسية.. وهذا كله قد مهد الطريق أمام أزلام المستعمر الذين لم يستطيعوا استيعاب واقع الاستقلال, وخاصة المتزوجين بفرنسيات، للتسرب إلى المفاصل الحيوية للدولة الناشئة, لتكوين الإخطبوط الإداري. علما بأن الكثيرين من هؤلاء ظلوا على ارتباط بعناصر المستعمر السابق ( الأسياد ) الذين فضلوا البقاء, أو طُلب منهم البقاء. وهو الجيل الذي تقوم فرنسا بدعمه وتمكينه من وسائل المقاومة على اعتبار أنه أداتها للمحافظة على نفوذها التاريخي والثقافي في الجزائر واستمرار يته. " ثم سن نظام تعليمي كان قائما على عهد طويل من عمر الاستقلال على شيء من التمكين للغة الفرنسية أفضى إلى استمرار الصراع بين المناصرين للنزعة العروبية، والمشايعين لضرورة استمرار الثقافة الفرنسية في الجزائر بما فيها من أساليب العيش، وإتقان للغة الفرنسية والترطين بها…." " واستعان, ( بومدين ) في سعيه الدؤوب لبناء الجيش الوطني لجزائر الاستقلال, بالعديد من الضباط الجزائريين الذين فروا من الجيش الفرنسي والتحقوا بالثورة… وهؤلاء ظلوا دائماً كتلة متكافلة مترابطة, تحمل إلى حد كبير نفس الميول والأذواق المرتبطة بالتكوين والتجربة)).
    (( لقد انتصرت الثورة الجزائرية بعد حرب تحرير طويلة استمرت من سنة 1954م إلى سنة 1962م ضد الاحتلال الاستيطاني الفرنسي، بقيادة جبهة التحرير الوطني، وبدأت رحلة البناء من الصفر تقريبا، وواجهت مشاكل البحث عن هوية، ومشاكل التنمية دون امتلاك أدواتها، ومشاكل الحيرة بين أهل الثقة وأهل الخبرة بصورة لم تواجهها أي دولة من دول العالم الثالث الخارجة من تحت براثن الاستعمار. ذلك أن استعمار فرنسا للجزائر كان يختلف عن أي استعمار آخر لأي بلد آخر. فقد كان استعمارا استيطانيا لا يرضى بأقل من الالتهام، يكفي أنه دام 140عاما، وأنه احتاج لاقتلاعه، حربا دامية شرسة، شاركت فيها كل طبقات الشعب الجزائري وفئاته، قرابة ثماني سنوات متصلة وعاصفة، بعد عشرات الثورات والانتفاضات المتفرقة عبر سنوات الاحتلال الطويلة المظلمة)).
    إن: الجزائر عندما استقلت عام 1962 كان كل شيء مفرنساً، فعندما كنت تخرج إلى الشوارع والمدن الجزائرية تجد كل شيء مكتوبا بالفرنسية، وتجد أن أسماء المدن فرنسية، مثلا الجزائر (آرجي)، وعنابة (بونة)، ووهران كانت تسمى (أوران).
    وإذا كانت حكومة الثورة قد استعادت المساجد المصادرة والتي كان الاستعمار قد حولها إلى كنائس وكاتدرائيات، فاكتسبت بذلك مزيد من تعاطف وولاء الشعب الجزائري المسلم والمتدين بطبعه، إلا أنها لم تسمح للإسلام بأن يلعب أي دور في الشأن العام. وقد لجأت جبهة التحرير ذات النهج الاشتراكي والتوجه اليساري – التي أصبحت هي الحزب الحاكم والوحيد المعترف به في البلاد عقب الاستقلال – لجأت إلى سلاحيّ الترغيب والترهيب لتحجيم الإسلاميين، من أعضاء جمعية العلماء، فأوقفوا نشاط الجمعية في بداية عهد الاستقلال، ورضي كثير منهم بالمناصب والوظائف الحكومية، بينما أُحيل بعضهم من الذين عارضوا الحكم الجديد إلى التقاعد، ومُنعوا من القيام بأي نشاط في الميدان السياسي، وعندما قام بعض من هؤلاء العلماء بإنشاء جمعية القيم كبديل عن جمعية العلماء المنحلة سارعت حكومة الثورة بحلها أيضا.
    وبدأت متاعب الدولة الوليدة من أول يوم. ولا زالت قائمة حتى اليوم "والمشكلة الكبرى – كما قال الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلا - أن الأرض الجزائرية قد تحررت لكن بقي الاستعمار حيا في تشريعات الدولة ومناحي الحياة الثقافية المرتبطة بفرنسا ، اليوم -باختصار- تنظر فرنسا إلى الجزائر وكأنها مستعمرة ".
    ولأن استقلال الجزائر كان ملغوما، ونتيجة لمشكلة البحث عن الهوية التي واجهها المجتمع الجزائري في هذه الفترة، وبقاء كثير من مسامير حجا التي دقها الفرنسيون قبل رحيلهم، ونتيجة للأخطاء الفادحة التي ارتكبت في عهد الحرية، ونتيجة لمشاكل التنمية، وتطور الأزمة الاقتصادية، والأزمة السياسية، كان لا بد أن يأتي اليوم الذي تتأزم فيها الأمور ويحدث الانفجار، وهو ما حدث عام 1988

    [*] وفي هذا الصدد نشير إلى ثلاث معاهدات تخص اعتراف فرنسا بقروضها من الجزائر : المعاهدة الأولى أبرمت عام 1796 وتشير إلى أن الجزائر قدمت لفرنسا قرضين : الأول عبارة عن قمح لم تكن فرنسا تملك تسديد ثمنه آنذاك أي عام 1793م ، والقرض الثاني نقدا وقيمته 5 ملايين من الفرنكات الذهبية في سنة 1796 بدون فائدة ( لأن الفائدة ربا والربا حرام في الشريعة الإسلامية ) وهناك معاهدة ثانية أبرمت في سنة 1801وثالثة أبرمت في سنة 1820، تجدد فيهما اعتراف فرنسا بهذه الديون للجزائر .

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05 2016, 02:26